محمد راغب الطباخ الحلبي
132
إعلام النبلاء بتاريخ حلب الشهباء
منتظمة فيها العلالي المنيفة والقصاب المشرفة قد تفتحت كلها طيقانا ، وكل برج منها مسكون ، وداخلها المساكن السلطانية والمنازل الرفيعة الملوكية . وأما البلد فموضعه ضخم جدا حفيل التركيب بديع الحسن واسع الأسواق كبيرها ، متصلة الانتظام مستطيلة تخرج من سماط صنعة إلى سماط صنعة أخرى إلى أن تفرغ من جميع الصناعات المدنية ، وكلها مسقف بالخشب فكأنها في ظلال وارفة ، فكل سوق منها تقيد الأبصار حسنا وتستوقف المستوفز تعجبا . وأما قيساريتها فحديقة بستان نظافة وجمالا ، مطيفة بالجامع المكرم لا يتشوق الجالس فيها مرأى سواها ولو كان من المرائي الرياضية ، وأكثر حوانيتها خزائن من الخشب البديع الصنعة قد اتصل السماط خزانة واحدة وتخللتها شرف خشبية بديعة النقش ، وتفتحت كلها حوانيت فجاء منظرها أجمل منظر ، وكل سماط منها يتصل بباب من أبواب الجامع المكرم . وهذا الجامع من أحسن الجوامع وأجملها ، قد أطاف بصحنه الواسع بلاط كبير متسع مفتح كله أبوابا قصرية الحسن إلى الصحن عددها ينيف عن الخمسين بابا فيستوقف الأبصار حسن منظرها . وفي صحنه بئران معينتان ، والبلاط القبلي لا مقصورة فيه فجاء ظاهر الاتساع رائق الانشراح ، وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره « 1 » فما أرى في بلد من البلاد منبرا على شكله وغرابة صنعته ، واتصلت الصنعة الخشبية منه إلى المحراب فتجللت صفحاته كلها حسنا على تلك الصفة الغريبة وارتفع كالتاج العظيم على المحراب وعلا حتى اتصل . بسمك السقف ، وقد قوس أعلاه وشرف بالشرف الخشبية القرنصية ، وهو مرصع كله بالعاج والآبنوس ، واتصال الترصيع من المنبر إلى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلة دون أن يتبين بينهما انفصال فتجتلي العيون منه أبدع منظر يكون في الدنيا . وحسن هذا الجامع المكرم أكثر من أن يوصف . ويتصل به من الجانب الغربي مدرسة للحنفية تناسب الجامع حسنا واتقان صنعة ، فيها في الحسن روضة تجاور أخرى ، وهذه المدرسة من أحفل ما شاهدناه من المدارس بناء وغرابة صنعة . ومن أظرف ما يلحظ فيها أن جدارها القبلي مفتح كله بيوتا وغرفا لها طيقان يتصل بعضها ببعض ، وقد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنبا ، فحصل لكل طاق
--> ( 1 ) سيأتي الكلام على هذا المنبر والمنبر الذي حمل من حلب إلى القدس في حوادث سنة 583 .